رواية و كتاب: أجاثا كريستي

الاثنين، 21 يناير، 2013

أجاثا كريستي

أجاثا كريستي: عندما تتحول الجريمة إلى أدب والخيال إلى حقيقة 
رغم مرور ما يزيد على مئة وعشرين عاماً على مولد رائدة الرواية البوليسية الإنكليزية أجاثا كريستي، مازال أدبها الحافل بالغموض والإثارة محط فضول واهتمام وشغف عشاق روايات وقصص الرعب والجريمة، فالأشخاص الذين اتفق العالم أجمع على عبقريتهم قلة قليلة، وأجاثا كريستي أحد هؤلاء العباقرة الذين خلدوا أنفسهم في ذاكرة عشاقهم إلى الأبد من خلال شخصيات اخترعوها في كتاباتهم وقصصهم، فتحولت إلى ظلال لأشخاص حقيقيين ننتظر مصادفتهم في الواقع.


تطور الأدب البوليسي عبر الزمن ودخلته شخصيات جديدة، وأنماط جديدة في كتابته، متأثراً بمجموعة من العوامل التي غذتها أحداث القرن العشرين مثل الحربين العالميتين والحرب الباردة، وكانت بدايات القصة البوليسية مع الكاتب الأميركي إدغار آلان بو في روايته (حوادث القتل في شارع مستودع الجثث) عام 1841، كما حاول الإنكليزي تشارلز ديكنز أن يتبع شكلاً جديداً في روايته (البيت الكئيب 1852 - 1853 ). أما رواية الكاتب الإنكليزي ويليم ويلكي كولنز المسماة (حجر القمرأو سر ماسة القمر) فتعتبر من أهم الروايات البوليسية في عصره، وظهرت شخصية المحقق شرلوك هولمز ورفيقه الدكتور جون واطسون الخياليتين في رواية السير آرثر كونان دويل تحت عنوان ( دراسة قرمزية عام 1887). كما شهدت الفترة بين عامي 1925 - 1935 نشر أول المؤلَّفات المهمة لكتَّاب القصص البوليسية مثل مارجري ألينغهام ونيقولاس بليك وجون دكسون كار وإيرل ستانلي جاردنر وداشييل هاميت ومايكل إنس وأجاثا كريستي.
ولدت الكاتبة الإنكليزية أجاثا كريستي عام 1890 وتوفيت عن عمر يناهز الخامسة والثمانين عاماً يوم الثاني عشر من كانون الثاني عام 1976، قدمت خلالها ما يقرب الثمانين رواية بوليسية ما جعلها تتربع على عرش الأدب البوليسي على مر التاريخ، ولذلك لم يكن مستغرباً أن تلقب بملكة الجريمة وهي السيدة الإنكليزية التي لم تتلق تعليماً مدرسياً في حياتها فتقول عن نفسها: «لقد قضيت طفولة مشردة إلى أقصى درجات السعادة، تكاد تكون خالية من أعباء الدروس الخصوصية، فكان لي متسع من الوقت لكي أتجول في حديقة الأزهار الواسعة وأسيح مع الأسماك ما شاء لي الهوى.!!» اشتهرت أجاثا كريستي كذلك بكتابة الروايات الرومانسية تحت اسم مستعار هو ماري ويستماكوت رغبة منها في فصل الشخصيتين إحداها عن الأخرى، بيعت أكثر من مليار نسخة من رواياتها التي ترجمت لأكثر من 103 لغات حول العالم. وبذلك احتلت قمة الإبداع الروائي البوليسي الإنكليزي طوال نصف قرن من دون مزاحمة، ولعل دراسة الناقدة البريطانية جوليان سيمونز عن أدب الجريمة وتقنيات الرواية البوليسية تمنح أجاثا كريستي المكانة التي حققتها في ميدان أدب الجريمة على صعيد عالمي. المتتبع لروايات كريستي بالإنكليزية يلحظ من دون أدنى شك أنها استخدمت لغة وسطى سلسة وسهلة الفهم، تناسب الجميع من دون استثناء بغض النظر عن درجة ثقافة القارئ، فلم تكتب بأسلوب شكسبيري عالي البلاغة رغم أنها ارتقت بأعمالها عن مستوى الإنكليزية المتداولة، ولعل هذا يفسر رواج قصصها ورواياتها لدى الأوساط الشعبية في بريطانيا وأوروبا وما وراء البحار، كما يفسر سهولة ترجمتها إلى مختلف لغات العالم. تميزت رواياتها بأنها من نبع خيالها الخصب فلم تلجأ لوقائع محاضر أقسام الشرطة أو حوادث حقيقية، إنما عمدت إلى رسم عالم متكامل من الجرائم والأشخاص الوهميين وكأنهم يعيشون معنا في الواقع ونعرفهم. ولطالما ردّدت هذه الكاتبة «أن أعظم متعة يحس بها المؤلف هي اختراع الحبكاتِ..!!» فتكثر في قصصها الألغاز والحبكات الغامضة الشائقة التي تظهر في مجرى الأحداث بأسلوب باهر ومتجدد مع الكم الكبير من مؤلفاتها، فضلاً عن اختيارها الموفق لمسرح الجريمة كالمواقع الأثرية الساحرة من معابد وقصور وفنادق فخمة التي تعتبر أماكن مثالية لوقوعها معتمدة على خيالها الخصب، ولكي تبعد الملل عن القارئ تعمل على إقحام بعض الألغاز والرموز التي تحتمل التأويلات والتفسيرات المتضادة في آن معاً، وبذلك تشد القارئ إلى متابعة الحدث من دون أن تبتعد به عن المحور الأساسي للبناء الدرامي الذي خططت له بإتقان، لكي لا يخرج عملها مسطحاً فجاً.!!‏ أجاثا كريستي روائية مدهشة بلغتها وأسلوبها وطريقتها في بناء رواياتها، واحتفظت بذاكرة قوية تخدم تعاقب الأحداث في قصصها، وتفننت في تحريك أبطالها وفق السياق الدرامي الذي اختارته لكل رواية.
في عام 1926اختفت أجاثا كريستي مدة عشرة أيام، وتعددت التحليلات لأسباب اختفائها حيث قال البعض إنها تسعى إلى اكتساب شهرة أوسع لبيع المزيد من رواياتها، في حين قال البعض الآخر إن أجاثا كريستي تعرضت لفقدان ذاكرة فعلي نتيجة الصدمة المزدوجة التي تعرضت لها بخيانة زوجها لها ووفاة والدتها، فلجأ عقلها الباطن إلى إحدى حيل الإنقاذ، وهي فقدان الذاكرة، وهذا ما تؤكده جانيت مورغان التي كتبت سيرتها عام 1985، إذ أرجعت السبب إلى صدمة عاطفية كبيرة ولكن صدمتها تلك كانت الثانية، بعد صدمتها الأولى في إخفاق زواجها الأول من ارتشي كريستي الذي رزقت منه بطفلين لينتهي الزواج بعد تكشف خيانته مع رفيقته في لعبة التنس نانسي نيل.
أتاح لها زواجها الثاني من عالم الآثار والتنقيبات في العراق وشمال سورية السير ماكس مالون أن تزور معظم بلاد الشرق الأدنى والأعلى، فتجولت في بلاد الشام العراق ومصر وبلاد فارس، ووفَّر لها هذا التجوال فرصاً ممتازة لكتابة أجمل رواياتها وقصصها المملوءة بالأسرار، المفعمة بالغموض، وقضت أجاثا كريستي شهر العسل مع زوجها السير مالون في قرية عين العروس على ضفاف نهر البليخ وغابات عين العروس الجميلة، كما أقامت في فندق بمدينة حلب وهو (فندق بارون) الذي كان مقصد المشاهير وخاصة من أوروبا والقادمين على متن قطار الشرق السريع إلى حلب، وهناك كتبت قصتها الشهيرة (جريمة في قطار الشرق السريع) وما تزال ذكراها في إحدى زوايا الفندق العريق إلى اليوم. استمر زواج أجاتا كريستي بالسير مالون الذي يصغرها بأربعة عشر عاماً نحو خمسة وأربعين سنة وكثيراً ما كانت تسرد طرفة خفيفة الظل عن نفسها عندما تسأل عن سبب استمرار زواجهما فتقول: «أفضل زوج يمكن للمرأة أن تتزوجه هو عالم آثار، فكلما زاد عمرها زاد اهتمامه بها.!!»، بقيت أجاثا كريستي مرتبطة بالشرق الذي شعرت في مدنه وقراه بالسعادة والفرح، وقالت عن ذلك:
 «أحبه الآن وسأبقى أحبه دائماً».
من أشهر روايات أجاثا كريستي: في فندق بيرترام - جريمة في قطار الشرق السريع - في النهاية يأتي الموت - موت السيدة ماغنتي - الفتاة الثالثة - نسيج العنكبوت - ساعة الصفر - شركاء في الجريمة - خطر في البيت الأخير - لقاء في بغداد - خداع المرايا - جريمة العيد - مبنى الرجل الميت - إبزيم الحذاء - الكأس الأخيرة - جريمة في القرية - نادي الجريمة - الجريمة النائمة - مغامرة كعكة العيد.


‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق